فلسفة نماء

يُدرك معظم المهتمين في مجال العمل الخيري ضعف أثر وجدوى الأعمال الخيرية رغم ما يُبذل فيها من جهود وأموال ضخمة، وأن الحل يكمن في التركيز على الجانب التنموي، بحيث يكون الهدف نقل المحتاجين من حال العوز والسؤال إلى حال تنكسر معه حلقة الفقر ويُبلِغُ فيه حد الكفاية والاستغناء، ولكن المشكلة تكمن في غياب منهجية رصينة تحوي وسائل وأدوات إبداعية قادرة على الفرز وتحديد مستوى الحاجة بدقة ونوع البرامج والخدمات الكفيلة بإحداث تغيير جذري، إضافة لقدرة تلك الوسائل والأدوات على تذليل أي عقبات تحول دون النجاح في تطبيق الخطط وتحقيق الأهداف، والحقيقة أن هناك جمعيات ومؤسسات خيرية تُمثل نماذج إيجابية تتبنى هذه الفلسفة في عملها، ولكنها تضل في نتائجها وجدواها دون المستوى، ومرجع كل ذلك لسببين رئيسيين:

السبب الأول                                                                                                                                                                                                           الاعتماد في العمل على أنظمة وآليات لم تُبنى في أساسها على فهم واضح ودقيق للواقع وطبيعة المستهدفين. ومن المعلوم أن أي بناء على هذا النحو يكون عرضة للعشوائية والهدر وضياع الفرص، والشواهد المؤكدة لتأثير هذه المسألة في ضعف أثر وجدوى الأعمال الخيرية والتنموية كثيرة، لعل من أهمها ما يمكن وصفه بـ “وصاية الباذل”، والمتمثلة في تبني المتبرعين لمعايير ذاتية في تحديد مستوى ونوع الاحتياج. يعيش الفقراء في منطقة حساسة جداً، فأي مشكلة أو صدمة يتعرضون لها؛ تضرب بشكل مباشر في احتياجات أساسية وبالتالي تؤثر على كل أوضاعهم المعيشية، بعكس غيرهم ممن يمتلك القدرة والقابلية لاستيعاب مثل هذه الصدمات وتجاوزها. وإن عيشهم فترة طويلة في هذه المنطقة جعل وضعهم هش جداً وولّد لديهم إحباطاً شديداً وفقدان للثقة بالمستقبل أدى إلى حدية في تقديم المنفعة وتقييم الجدوى. حيث انعكس ذلك في سلوكيات استهلاكية مستهجنة “مثل شراء بعض الأجهزة أو الكماليات أو المأكولات المصنفة كترفيه” ومواقف سلبية تجاه برامج التأهيل وغيرها “مثل عدم الجدية واللامبالاة بالبرامج التدريبية ونحوها” وكان نتيجة هذه السلوكيات والمواقف أن خلقت انطباعات سلبيه عن هذه الفئة لدى المتبرعين وأوجدت بالنهاية نوع من الوصاية في تحديد مستوى ونوع الاحتياج بمعايير ذاتية، مما فتح المجال واسع لأمر خطير جدا يتمثل في دفع المحتاج للمسايرة من جهة وأوجد مساحة كبيرة للمتطفلين من جهة أخرى، وبالتالي توسع الهدر بشكل ضخم لدرجة ظهور اسواق لبيع المساعدات.

ومن الشواهد أيضاً تلك النوعية من البرامج الموصوفة بالتنموية، والتي تعاني العديد من أوجه القصور أهمها:

  • عمومية لا تحقق الشمول والتكامل اللازم كشرط للفاعلية، حيث تتناول الأفراد دون الأسر، وتقدم لهم جزء من الخدمات فقط (جزء من جزء).
  • لا تراعي الفروق بين الحالات في مسببات العجز، وتهتم بقولبة الخدمات دون مراعاة لأهمية تحديد درجة الحاجة إليها وجدوى تقديمها وأثرها على الوضع العام.
  • لا تركز على أهمية الإدماج وأثرها في الاستمرار لتحقيق الأهداف. وهو أمر بالغ الأهمية، ففضلاً عن ارتباطه بطبيعة المستهدفين، يدفعنا التركيز على الادماج لاستحضار المفهوم الحقيقي للتنمية المستدامة على المستوى الأسري، والذي يقوم على ركيزتين أساسيتين، الأولى ذات طابع مالي وتنحصر في زيادة المداخل، وكان لحصر الجهد فيها واتخاذها كمؤشر وحيد للنجاح دور رئيسي في إضعاف جدوى وأثر البرامج وإزاحة مناطق التفكير بحلول مستدامة، أما الركيزة الثانية لمفهوم التنمية المستدامة فهي ذات طابع فكري وثقافي، وتُعد الأهم في مسألة تحقيق النجاح، بل من الممكن أن تكون لوحدها قادرة على إحداث التغييرات الجذرية المرغوبة، لأن هدفها نقل الحالة إلى منطقة تُشكل فيها القيم والمبادئ شبكة دعم قوية للاعتماد على الذات ومنع الاتكال على الغير.

والنجاح في ذلك يتوقف على أمور عديدة يمكن حصرها في جزئين:-

  • فهم طبيعة تكوين المستهدفين.
  • فهم آليات الحركة والتغير.

وبالمجمل لابد من وجود تصور شامل.

السبب الثاني                                                                                                                                                                                                            فقدان الوسائل والأدوات الكفيلة بعمل تشخيص دقيق للحالات وتصميم برامج خاصة وفعالة. فأدوات التقييم الحالية ضعيفة وغير فاعلة لأنها تركز على الظاهر ويدخل الرأي في التقييم بشكل مؤثر، بالإضافة إلى انها تعكس بحدة الوضع القائم لحظة جمع البيانات، ولا تراعي مسألة ارتباط الوضع بمتغيرات مهمة مستقبلاً قد توجِد صورة مختلفة تماماً عن الحاضر سلبا أو ايجاباً، في مشهد أشبه بالاقتطاع من السياق، وبالتالي يفقد التقييم روحه. ولا شك أن استخدام آليات فاعلة في الوصول للمحتاجين فعلياً، وإيجاد وسائل وأدوات دقيقة للتشخيص قادرة على حصر وتقدير الإمكانات والقدرات والاستعدادات، والتركيز على تصميم خدمات وبرامج خاصة ومتكاملة للحالات تغطي جُل المتطلبات الأساسية للتأثير الفاعل في إحداث التغييرات المرغوبة وتضمن سلاسة الإدماج في القطاع المستهدف ومواصلة العمل؛ سيحقق نقلة نوعية في هذا المجال يمتد أثرها الإيجابي على كل المستويات.
وبالتأكيد لا تقتصر مقومات النجاح في هذا المجال على فلسفة العمل والحِرفية في تطبيقها -وإن كانت الأهم-، بل يمتد للتكامل مع المجالات والقطاعات الأخرى بآلية إبداعية تضمن الاستفادة الكاملة من خبراتهم وإمكاناتهم وتوظيفها فيما يعزز الفاعلية في الأداء والكفاءة في تحقيق الأهداف، إضافة للتركيز على تنمية الموارد واستدامتها، وهي جوانب تعاني القصور وتساهم في إضعاف أثر وجدوى العمل الخيري حالياً.
هذا على مستوى آلية وطريقة الدعم المقدم للمستحقين، أما على مستويات أعلى مرتبطة بالبيئة العامة فالمشاكل أكبر وأعقد من محاولات إصلاح وعلاج التشوهات الكبيرة في هذا القطاع، وهو ما يدفع باتجاه إيجاد قناة ومحضن جديد يكون بديل يتَسع لكل مكونات القطاع وبأنظمة وآليات عمل جديدة ومبتكرة تُعالج كل المشاكل وتُقدم نموذجاً رائداً لتوحيد الجهود والإمكانات وتوجيهها للوصول لأعلى معايير الكفاءة والجودة من خلال إسهامه في تغيير فلسفة العمل الخيري ليكون أكثر فاعلية وجدوى، وتحقيق أعلى عائد لجميع الأطراف (المتبرع، المنظمة، المحتاج)، وتمكين الجميع من المساهمة فيما يُعين المحتاج في الانتقال من حال إلى حال أفضل، والإسهام في معالجة مشكلة الفقر جذرياً، وتقليص حجم التلاعب والاحتيال، والمساهمة في إعطاء زخم كبير للعمل الخيري، والدفع باتجاه خلق توازن عادل في توزيع المساعدات على المحتاجين في مختلف الأماكن، إضافة لتأمين واستدامة الموارد المالية. ومن هنا نشأت فكرة نماء.

sborrata dall'estetista cratosslot vdcasino asyabahis sekabet beylikduzu escort bahcesehir escort
انتقل إلى أعلى